لقد كبرتُ يا أبي
هذه هي الحقيقة الوحيدةُ بعد غيابك
لستُ في موضعِ الرثاء
فربَّما قصائد النثر غير صالحةٍ للرثاء
ربَّما
حاولتُ أنْ أجهزَّ لك أبياتاً موزونةً
لكنَّك طفلُ البرَّية الشقيِّ
لا يصلحُ للإيقاعات المجففة
إذاً لا مفرَّ من البكاء بين يديك
حدِّثني يا أبي
كيف تقضي يومك؟
وبجانبك قبرٌ وهميٌ لأخي
هل حاولتَ البحثَ عنه في الآخرة؟
كما كنتَ تبحثُ عنه في أقبية الأمن العام
قبل خمسة وثلاثين عاماً
هل احتضنته كما كنتَ تحلم؟
هل عرفك ؟
فقد تركك وأنت في الأربعين
وها أنت الآن تعبر نحو الخامسة والسبعين
هل عرفك؟
من المؤكد أنك عرفته
فهو مازال في الثامنة عشر من عمره
لم يستطع أنْ يكبر أكثر من هذا
هل كففتَ عن ترديد لازمتك القاتلة
يا «عويدل يابوية»؟
هل ما زلتَ قلقاً علينا؟
ألم يمنْعك الموتُ من التفكير بنا؟
لقد كبرنا جميعاً
أنا شخصياً وصلتُ إلى عمرك أيام الثمانينات
لم أصدق أنَّني الآن أشبه
لحظتَك التي تسبقني بخمسة وثلاثين عاماً
ولكنَّني الآن أكثرُ عزلةً منك
معي في «الموبايل» أغانٍ لـ«داخل حسن»
أعرف أنك تحبُّه
وأذكر أنَّك تقول منتشياً كلَّما سمعتَه
إنَّ صوت «داخل حسن» يساعدُ كثيراً على خفض السكَّرِ في الدم
فلا حاجة للأنسولين بعد «يمَّه يا يمَّه»
أحاول أنْ أُسمعك «داخل حسن» من جديد
ربَّما سيكون مزاجُك وأنت في الآخرة
أكثرَ صفاءً من ضجيج بيوتنا وشوارعنا
ربَّما سيُنصت الملائكةُ معك
ربَّما سيحتشد على قبرك أصدقاؤك القدامى
ربَّما ستضحك ــ كعادتك ــ على أسئلتك القديمة
هل يُعقل أنْ يكونَ غناءُ «داخل حسن» حراماً
وها أنت الآن تسمعه مع الملائكة والصالحين
صافياً كأهوار الحلفاية
وحنوناً كمشحوفٍ غارقٍ بالحنطة والعنبر
لقد كبرتُ يا أبي
هذه هي الحقيقة الوحيدة بعد غيابك
وبدأتُ أشبه صورتَك القديمةَ الملونةَ على حائطنا القديم
كلُّ شيءٍ يكبر إلَّا هذه الصورة
سيرحلُ كلُّ شيءٍ
وتبقى ضحكاتُنا معلبةً في أطرٍ خشبية
ينهارُ كلُّ شيءٍ والصورة على حالها
لستُ جاهزاً للرثاء يا أبي
فأنا لستُ على ما يُرام
بدأ مزاجي يتغيَّر
ويتقلَّب كثيراً
تجرحني أصواتُ أطفالي
فأصرخ غاضباً بوجوههم
بدأتْ الشوارعُ تضيق علي
وضحكاتي ــ التي تعرفها ــ
بدأت بالانحدار
لستُ على ما يُرام يا أبي
نومي أصبح خفيفاُ
هل تذكر كيف كنتَ توقظُني قبل أكثر من خمسةٍ وثلاثين عاماً
ولا أصحو إلَّا قبل جرسِ المدرسةِ بدقائق
لقد كنتُ خالياً من كلِّ شيءٍ يا أبي
الآن
أنا مثقلٌ بكلِّ شيءٍ يا أبي
اليقظةُ تأكلُ روحي
والنوم في رأسي مثل طفلٍ هاربٍ من حارس المدرسة
بعد أن تسلَّق سياجَها سراًّ
لستُ على ما يُرام يا أبتي
ولكنَّي مطمئنٌ بعد موتي
سألتحم بالتراب جيداً
وسأنحلُّ به كما يشتهي
وسأتحول بعد مائة عامٍ
إلى سمادٍ طيبٍ
يرشُّه المزارعون على حنطتهم
بعدَها أتحوَّل إلى خبزةٍ ساخنةٍ
يأكلُها أحدُ أحفاد أولادي
لحظتَها سأشعرُ بوجودي
وسأضحكُ كثيراً، ولكنْ بفمِ الحفيد هذه المرة
وأغنَّي طويلاً، ولكنْ بحنجرتِهِ أيضاً
فقط أستخدمُ عضلاتِهِ وجسدَه الشاب
كما يستخدمُني الآن أحدُ أجدادي الذين لا أعرفهم
ولكنَّني أضحك وأبكي وأغنَّي بروحه
وإنَّني كائنٌ عصيٌ على الموت
سيبقى خيطُ الوجود مرتبطاً
وها أنا أحدثك يا أبي
بروح أحدهم
ربَّما أحدُ أجدادنا القدامى حلَّتْ روحُه
بحبَّةِ المشمش التي أحب
- رغم إننا نأكلُ فاكهةً مستوردةً -
ولكنني أشعر أنَّهم حولي
يأكلون معي
ويتناسلون بدمي
أنت قطعاً يا أبي تتناسل بأحلامي
وأعرف أنك لن تموت تماماً
وستحلُّ بأرواح أحفادنا الذين لم يأتوا بعد
ستكون ضحكتَهم
أو غضبَهم
ستكون هواجسَهم
أو حنينَهم
ستكون قلبَ أحدٍ ما
وبهذا لن تكلف الربَّ كثيراً
وهكذا يتناسل الموتى بأجساد الأحياء
وتلتفُّ الأرواح بالأرواح
وتنبتُ ثانيةً الضحكاتُ على فمِ الأطفال
وبهذا فليطمئن الجميع
لن ينقصَ أحدٌ من هذا العالم
ولن يزيدَ أحد