القصائد ←

ياعيوني

من ديوان قصائد العائلة · ٢٠٢٢

كلما مررت بصور الشهداء الحلوين في الشوارع
اردد
يا «عيوني»
مرت سنواتٌ كثيرةٌ وأنا أرددها
كلما رأيتُ شهيداً مستلقياً في صورته
لا أتذكر عدد الشهداء الذين غفوا بعينيَّ
ولكنني فجأة بعد تلك السنوات الطويلة
فقدتُ بصري
لم أعد أرى أيَّ شيء
ذهبتُ إلى كل أطباء العيون
فلم يجدوا خللا واحداً في عيوني
عملتُ كل الفحوصات ولكنهم لم يعثروا على سبب
فقدان بصري
عيناي سليمتان
ولكنني لا أرى
ما الذي يحدث يا ألله؟؟؟
عيناي سليمتان، ولكنني لا أرى
فقط حين أمرُّ على صور الشهداء، كنتُ أرى
فأصرخ عالياً
لقد أبصرتُ
ولكنْ بعد لحظة
بعد أن تعبر بنا السيارةُ الصورَ المعلقة
أعود إلى عادتي في بحيرة البياض
لا أبصر شيئاً
هكذا بقيتُ
عينين سليمتين وبصراً مكسورا
حتى نصحني أحد الأصدقاء
أن أذهب إلى الملَكِ الموكَل بالعيون
المَلَك الذي بيديه البصر
عسى أن ينفعني ذلك
فذهبتُ له طائعاً وخائفا
أيها الملكُ البهيُّ
أين ذهب نظري؟
لم أعد أرى أيَّ شيء
ولكن عينيَّ سليمتان
فلماذا عميتُ بلا سبب؟
ضحك الملك الصالح ساخراً مني
وأخرج سجلاتٍ، بعضها قديم
وبعضها ساخنٌ جداً
وحين فتح أول سجل له، تساقطت منه بعض الأوراق الصفر
فنظر إليَّ وقال
في عام 1990 مررتَ بشارعٍ في مدينةٍ مهملة،
ورأيتَ صورةً لشابٍ جميل
فقد حياته في حادث حب
أتذكر ماذا قلت؟
قلتُ له نعم
قلتُ فقط ياعيوني
فضحك الملَكُ الصالحُ وقال لي
لقد فقدتَ درجةً من نظرك منذ تلك اللحظة
ثم فتح سجلاً جديدا
وإذا بصور عشرات الشهداء يزينونه
ما هذا بحق الموت؟
فقال هؤلاء الشهداء الذين كنتَ تمرُّ على صورهم
وتقول
ياعيوني
فكلما قلتَ يا عيوني
كانت عيونك تنزل درجة درجة من سلِّمك الحديد
حتى وصلتَ إلى آخر درجةٍ في رصيد بصرك
وها أنت قد منحت عيونك لهؤلاء الراحلين
لم أصدق تلك الحكاية
حتى فتح لي الملَكُ الصالح تلفونه
واتصل بالجنة
وفتح الكاميرا
وإذا بعشرات الشهداء الأحياء
يلوحون لي
وهم جميعاً قد لبسوا عيوناً
تشبه عينيَّ
كلهم نفس العيون
كلهم ينظرون بعيوني
لوحوا لي ومضوا مسرعين لنومهم
ولوحتُ للملك الصالح
ومضيتُ أذرع الشوارع
عن صورٍ جديدة
لشهداء لم يولدوا بعد